عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

522

معارج التفكر ودقائق التدبر

* . . تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) : أي : ومن صفات القرآن أنّه كلام اللّه ربّ العالمين ، ومنزّل على الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من لدنه . ولمّا كان اللّه عزّ وجلّ حكيما كان كلامه المنزّل من لدنه حكيما ، فالقرآن من صفاته أنّه حكيم . الحكيم : هو الّذي يضع الأشياء في مواضعها ، ويختار أفضل الأشياء وأتقنها وأحسنها في الأمور المختلفة ، لما يعطي أحسن النّتائج وأفضلها . ولمّا كان اللّه عزّ وجلّ حميدا ، أي : محمودا له كلّ الحمد ، كان كلامه المنزّل من لدنه حميدا أيضا ، إذ لا ينزّل الحميد في كلّ صفاته إلّا كلاما حميدا . المعنى : إنّ الّذين كفروا بالقرآن الّذي يجب على متبلّغيه أن يجعلوه ذكرا لهم عند كلّ مناسبة داعية ، حينما جاءهم بلاغا عن ربّهم على لسان رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والحال أنّه لكتاب ربّانيّ قويّ غالب بحججه وبراهينه ، وذو كرامة عظيمة ، ولا يأتيه ما يبطل شيئا فيه من حقائق سابقة لتنزيله ، ولا من حقائق أخرى مكتشفة أو كائنة بعد تنزيله ، وهو حكيم ومحمود بكلّ صفاته ، لهم عذاب في نار جهنّم كالّذين يكفرون بإلحادهم في آيات ربّهم ، الذين جاء في الآية ( 40 ) الحديث عنهم . لم يذكر في الآيتين ( 41 ) و ( 42 ) خبر إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بل جاء مطويّا اكتفاء بما جاء بشأن الّذين كفروا بإلحادهم في آيات اللّه ، نظرا إلى أنّ الكافرين سواء في الحكم عليهم في عذاب النّار ، وإن اختلفت دركاتهم فيها بحسب جرائم كلّ منهم . ويدرك هذا المطويّ بالقرينة أو بالقياس ، أو بدخول الجميع تحت عموم الكافرين ، مع اقتران الفريقين في درس واحد ، وهذا من أساليب القرآن الإيجازيّة البديعة .